السيد الطباطبائي
249
تفسير الميزان
وقد قدم سبحانه على ذلك الإشارة إلى قصة أصحاب الأخدود ، وفيه تحريض المؤمنين على الصبر في جنب الله تعالى ، وأتبعها بالإشارة إلى حديث الجنود فرعون وثمود وفيه تطييب لنفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوعد النصر وتهديد للمشركين . والسورة مكية بشهادة سياق آياتها . قوله تعالى : " والسماء ذات البروج " البروج جمع برج وهو الامر الظاهر ويغلب استعماله في القصر العالي لظهوره على الناظرين ويسمى البناء المعمول على سور البلد للدفاع برجا وهو المراد في الآية لقوله تعالى : " ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم " الحجر : 17 ، فالمراد بالبروج مواضع الكواكب من السماء . وبذلك يظهر أن تفسير البروج بالبروج الاثني عشر المصطلح عليها في علم النجوم غير سديد وفي الآية إقسام بالسماء المحفوظة بالبروج ، ولا يخفى مناسبته لما سيشار إليه من القصة ثم الوعيد والوعد وسنشير إليه . قوله تعالى : " واليوم الموعود " عطف على السماء وإقسام باليوم الموعود وهو يوم القيامة الذي وعد الله القضاء فيه بين عباده . قوله تعالى : " وشاهد ومشهود " معطوفان على السماء والجميع قسم بعد قسم على ما أريد بيانه في السورة وهو - كما تقدمت الإشارة إليه - الوعيد الشديد لمن يفتن المؤمنين والمؤمنات لايمانهم والوعد الجميل لمن آمن وعمل صالحا . فكأنه قيل : أقسم بالسماء ذات البروج التي يدفع الله بها عنها الشياطين إن الله يدفع عن إيمان المؤمنين كيد الشياطين وأوليائهم من الكافرين ، وأقسم باليوم الموعود الذي يجزى فيه الناس بأعمالهم ، وأقسم بشاهد يشهد ويعاين أعمال أولئك الكفار وما يفعلونه بالمؤمنين لايمانهم بالله وأقسم بمشهود سيشهده الكل ويعاينونه إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ، إلى آخر الآيتين . ومن هنا يظهر أن الشهادة في " شاهد " و " مشهود " بمعنى واحد وهو المعاينة بالحضور ، على أنها لو كانت بمعنى تأدية الشهادة لكان حق التعبير " ومشهود عليه " لأنها بهذا المعنى إنما تتعدى بعلى . وعلى هذا يقبل " شاهد " الانطباق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لشهادته أعمال أمته ثم يشهد عليها يوم القيامة ، ويقبل " مشهود " الانطباق على تعذيب الكفار لهؤلاء المؤمنين وما فعلوا